قصة قصيرة.. قارب بين الحياة والموت

كان البحر موحشا وأمواجه متلاطمة تبعث على الهلع والفزع الشديدين، لا مفر من القدر المحتوم، لا مفر للهرب وسط هذه الأمواج السوداء، وسط ليلة حالكة الظلمة، تذكرت أفراد أسرتي ودعوة أمي الدائمة معي «الله يسكد طريقك من الشوك»، انتابت نفسي أسئلة متداخلة ومتصارعة، ما فعلته بنفسي؟ كيف لشاب بعمر الزهور موجز في التاريخ ألا يجد عملا في موطنه، يفكر بالهجرة نحو الغرب، بطرق غير شرعية، ما مصير أمي بعد معرفتها بما فعلته؟

لما سلكت طريق البحر المظلم؟ كيف السبيل للنجاة من هذه الليلة الموحشة؟ ما مصير هذه الوجوه الشاحبة العابسة من حولي؟ فتاة صغيرة تحمل طفلا يصرخ من الجوع والبرد المحيط به، وزوج شاب يحمل محفظة محملة بمؤونة الطعام واللباس، يصرخ بأعلى صوته:

يا رب أنقذنا من هذه العاصفة المتلاطمة.

يا رب كن عونا لنا في هذه الليلة الصعبة.

نجنا فلا ملجأ لنا وسط هذه الأمواج، كما أنجيت نبيك يونس عليه السلام، ردد دعاء نبي الله يونس وسط بطن الحوت.. البحر كان موحشا جدا، في زاوية القارب يجلس شاب بهدوء صامتا صمتا غريبا أمامي، لا يتحدث مع أي أحد، لا تتلعثم شفاه بأي كلمة، اعتقدت للحظة أنه الوحيد الذي يعرف نهاية رحلة الصعاب مسبقا، لذلك يهدأ يرضى بقدره ويسلم نفسه تسليما للموت، فقد غرق سابقا في صعاب الحياة من كل صوب، لا يهم إن مات غرقا هذه المرة بآخر قارب نجاة تمسك.

وأنا أمام أمواج البحر المتلاطمة، تساءلت مع نفسي: هل سأفر هاربا خنوعا، كما هربت من الواقع البئيس الذي عشته، أم أموت غرقا في البحر إن لم أنج من أمواجه؟ أم كنت جنديا مغوارا في صفوف الجيش المهيب عازما على مواجهة مخاطر البحر وأهوال العدو؟

أنا الهارب من ثقل التاريخ المنسي الذي درسته، ومن هشاشة المدن وشبح البطالة.. أين المفر؟ أنا الذي تركت أمي المسكينة التي حلمت بحصولي على عمل لائق يعيل الأسرة وينقذها من مستنقع الفقر اللعين، أين المفر أين المفر؟

التفت فجأة، فإذا برجل يصرخ من ورائي، انظروا لقد هدأت العاصفة اللعينة وها نحن نسير نحو الحلم في هدوء ورحمة البحر وأمواجه العاتية المهولة..

لم تمض سوى لحظات من الهدوء والسلام حتى ظهرت أمامنا باخرة متوسطة الحجم تابعة للسواحل الغربية تتجول ليلا تراقب حدودها بدقة، إذ هيا تقترب شيئا فشيئا، تمزق حلم الوصول إلى شواطئ الهناء والأمان والسعادة.

انزاح الشاب الهادئ عن سكونه، بصوته الخشن حين قال: «الآن أيها الأصدقاء من كان فيكم يجيد السباحة، وأراد الوصول إلى بر الأمان والهروب من لعنة الفقر والظلم في موطنه، فليقفز إلى البحر ويسلم نفسه لقدر الله، حاولوا النجاة مما ستواجهونه قبل الوصول إلى الشاطئ…».

قفز أغلب من كانوا في البحر محاولة النجاة، وبقيت الفتاة وطفلها الصغير تحمله بين ذراعيها لوحدها بعد أن تخلى عنها زوجها، رأفت بحالها بقيت بجانبها حتى وصلت باخرة المراقبة تم القبض علينا وإرجاعنا إلى الموطن من جديد.

نجونا من الموت برحمة من الله، يا لها من حماقة كنت على وشك إنهاء حياتي لحظة، مثل بقية الرفقاء الضائعين وسط أمواج البحر المجهولة مصائرهم. إلى اليوم… أيها الأصدقاء لنا أحلامنا في موطننا لم تكتمل بعد، سنرجع لها سنرجع لها، الوطن أرحم بنا من فزع البحر وأمواجه الموحشة.

مقالات ذات صلة