رحيل شاعرة هولندا «لايكه مارسمان»

هولندا – اختيار وترجمة مهدي النفري

الحرية هي أن تشتاق إلى الهواء الطلق وتكون قادراً على السير إليه

غيّب الموت الشاعرة الهولندية الفذة لايكه مارسمان (1990–2026) Lieke Marsman، لترحل عن عالمنا قامة أدبية صاغت من وجع التجربة الإنسانية أبهى تجلياتها الشعرية، تاركةً خلفها إرثاً جسوراً يجسد نبض جيلها ويتحدى الغياب ليبقى متقداً في قلوب عشاق الحرف.

شغلت لايكه مارسمان منصب «شاعر البلاد الوطني»، وتميزت أعمالها بملامسة قضايا الوجود والمرض برقة وعمق إنساني آسر.

نقدم مختارات من قصائدها:

أهو يومُ رحيلي؟

أهو يومُ رحيلي؟

السماءُ ساكنةٌ

كالأفقِ المرسومِ في غلافِ تقويم

أهو يومُ رحيلي؟

دَعْكَ من نواقيسَ تقرع

فالسماءُ واجمةٌ كأنها الفراغ

أهو يومُ رحيلي؟

انسَ الملائكةَ والتراتيل

أنا لا أريدُ سوى عبقِ الفانيليا في كتابٍ عتيق

……

دَعْكَ من طيورٍ تغرّد

كلُّ ما أبتغيه

أن أسمعَ رشفاتِ كلبي وهو يشرب.

ذات ظهيرة

كان هناك ذات مرة ظهيرة لها وجه، وجهٌ مستدير بفمٍ ودود وأنفٍ واضح، وعينين صغيرتين تلمعان كالحبر الأسود، تتطلعان إليك من الفراغ، عندما تذهب مثلاً إلى المطبخ لتأخذ كأس ماء، أو تفتح نافذة الغرفة الأمامية، أحياناً كانت الظهيرة تدندن بنغمة مرحة تارة، وحزينة تارة، لكنها دائماً النغمة ذاتها، وعندما يحل المساء بعد ذلك تبدأ الظهيرة في الغناء، خافتاً في البداية ثم يعلو الصوت أكثر فأكثر كلما تقدم المساء، والكلمات تواصل التدفق إلى أن يصبح الوقت ليلاً ويسكت العالم، ساكنٌ تماماً كصمت هذا البيت، عندما تذهب مثلاً إلى الحمام لتأخذ كأس ماء وتستمر عيناي اللامعتان كالحبر الأسود في التحديق بي من المرآة المعلقة فوق المغسلة ومن النافذة المفتوحة في الغرفة الأمامية، يجب أن أخرج من رأسي، ولكن لو رأيتَ كم كنتُ مغترباً بالفعل لما فهمتَ هذه العبارة، لن يفاجئني شيء لو استيقظتُ صباح الغد شخصاً آخر لكن ذلك سيفاجئها هي.

***

استيقظتُ واليأس يملؤني، لقد تمكّن مني التعب حقًا هذه المرة رغماً عن أمنياتي اليومية الواهمة بأنني بخير، فبتلك الكلمة تحديداً أبقيتُ الكثير من الناس خلف الباب، لأن تلقّي الدعم هو الآخر يتطلب طاقة، الرد على رسالة نصية، فتح الباب الأمامي، وضع زهور في مزهرية، أو قول شكراً لك، أنا ببساطة أشد تعباً من كل هذا.

***

عندما أقرأ قصصاً عن أطفال يتذكرون حياتهم السابقة، ينتابني نوع من الارتياح، فحتى لو لم أنجح في البقاء على قيد الحياة فربما أتمكن من العودة إليها مجدداً، فما الذي يعنيه ذلك، أن أتشبث بالعيش بكل هذا اليأس لدرجة تجعلني مستعدة لتصديق حكايات أطفال الروضة؟ لكن الأمر ليس مجرد تسليم أعمى، بل لأنني أشعر أيضاً أن هذا ممكن، أشعر كم هو هائل حجم الأشياء التي لا نعرفها.

الفحص التالي يستغرق خمس دقائق

في فضاء الإنترنت المتلاطم تحدث أشياء كثيرة، ولمن يلوذ بالفرار من فجيعة الحداد، تصبح كل تنهيدة ملاذاً للتشتيت، أورام الرئة تتأرجح كرايات واجفة، ورجل الشارع العادي على حق دائماً، لقد جُرِّدت الدولة القومية من ثيابها على يد خصومها، ثم بطش بها على يد مريديها، ورجل الشارع دائماً على حق، الأخبار تعيد إنتاج نفسها في حلقة مفرغة، والإيقاع رتيب تتوافق فيه دندنات الطائرات المسيّرة، بينما السيد المطاع في هذا الوجود هو طبيب الأورام، لم يعد في هذا العالم ما يستحق النظر سوى أن أحظى بيوم جديد معك، مراراً وتكراراً، نفق الرنين المغناطيسي يتحدث بنبرته الآلية، الفحص التالي يستغرق خمس دقائق، وفي رأس أفرغه الذهول ينبت الشعر، سائل التباين يتدفق، رائحة التخدير تفوح، ثقل ككرة شاطئ يحشرج في أنفك، وضربة ككرة تسديد تستقر في معدتك، في رأس خلا من كل شيء ينبت الشعر، لكن الإيقاع يتعثر، والأخبار ما زالت تكرر نفسها، لغة مصفاة بلا ضجيج، وسرطان مستبد يمضي بلا تطهير، لم يعد هناك شيء أريد رؤيته سوى أن يولد يوم جديد مراراً وتكراراً.

الفحص التالي يستغرق أربع دقائق

قبل أن تغرق في لاواقعية الحياة اليومية المحلاة بالمورفين، نود أولاً أن نخبرك شيئاً عن تلك التشنجات والانتفاضات العضلية التي تصيبك، وعن تلك العقدة الناتئة في ظهرك، أنت الذي أمضيت سنوات طويلة تبحث في غوغل عن كل بقعة تظهر على جلدك، حتى إنك جلست مؤخراً أمام طبيب الأسرة شاكياً من جفاف بسيط في قصبة ساقك، فكان التشخيص لقد أفرطت في استخدام سائل الاستحمام، لكنك بمجرد أن سمعت كلمة سرطان الغضروف سحبت سلك الإنترنت تماماً، فهل تدري حقاً أين تكمن أولوياتك؟ هل تدرك فعلاً ما يمكن للحياة أن تهبه لك أم أنك خلال جلسات العلاج النفسي الطويلة، وتلك الدورة التي امتدت لثمانية أسابيع في «اليقظة الذهنية» تعلمت كيف تتقبل كل معاناة بصبر مستسلم، لدرجة جعلت كل إشارة تحذير يطلقها جسدك محكومة مسبقاً بالتبدد على إيقاع تمرين تنفس ما، دع الألم يتواجد فالحرية هي الانعتاق من الرغبة؟ خطأ، فالحرية هي أن تشتاق إلى الهواء الطلق في الخارج وتكون قادراً على السير إليه فلا تقل بعد الآن إننا لم نحذرك.

مقالات ذات صلة