حياة الجنود

جميعنا في الجبهة،
جثثنا القادمة.
تربطنا وإياها آمال متأخرة،
وأحلام مُتنازع عليها،
في وداع بيوتنا المهجورة.
نحن هنا، وقد تم تحويلنا إلى سواتر
لصدّ الغبار من الغبار،
لغاية ما يشحنوننا
إلى نسيان معزّز بالكرامة.
كلّ منا معلّق بالموت.
بطريقته
بدوره
بوحدته وعدم اكتماله،
بحبّه وكراهيته وخوفه،
ولا شيء آخر،
سوى أن الجميع هنا،
معلّقون بالموت.
كان لكل جندي حقيبة واحدة لا أكثر،
يرتبها قبل شهر من الإجازة،
ويضعها حيث لا أحد يجدها.
بطبيعته ومن دون تدخّل خارجي،
الحرب تعلّم الجندي،
على عدم النظر إلى أعدائه كأشخاص مثله،
بل كائنات تريد قتله إن أغفل لحظة.
ويركز على مهمته التي فارق زوجته من أجلها، وهي:
كيف ومتى يرسل رصاصته ليجعل من زوجة الرجل الذي أمامه:
أرملة.
وقد لا يتخلّص من هذه الفكرة طوال حياته،
إن عاش.
عندما كانت تصعب الأمور في المعارك،
وتصل إلى حدّ لا يُطاق،
فإننا نقف هناك، عند تحوّلاتها.
كان هدفنا الحفاظ على شرف الهاوية،
والاندحار بطريقة عظيمة.
حينما ينتقل أحد الجنود إلى وحدة أخرى،
أو ينزل في إجازة،
نودّعه باحتفال،
لا علاقة له بالتعاسة.
عندما نهجر الملاجئ،
بالانسحاب أو الاندحار،
أو تغيير مواقع التمركز،
نضيّع الكثير من الآثار الملموسة التي خلّفها الضباط والجنود،
منحوتات وكلمات ورسوم وصور،
مع الرفاق المذهلين الذين كانوا يكتنزون الماضي في تجاويف الحفر،
وأحلامهم التي يتركونها فيها.
كان عليهم أن يركضوا
بين السواتر والحجابات الأمامية
للاستيلاء على أراضٍ آمنة،
تستطيع الأحلام التجوّل فيها بهدوء.
كانت وجوههم تلازمني دائمًا
تلك الوجوه اللطيفة والحزينة
لمَن يلتقط صورته الأخيرة.
لبضعة أيام،
لا يحدث شيء في الجبهة،
لا توجد حتى ريح،
ثم فجأة تشتعل الأرض والسماء،
ولا تترك لأحد وقتاً للموت.
تمر علينا أسابيع رتيبة،
تندلع فيها المعارك على جبهات أخرى بعيدة.
ولكن الضباط لا يتركوننا نسترخي،
ودائماً يفكرون بتشغيلنا،
حتى لو نحفر حفرة ونردمها مجدداً،
المهم لا يتركوننا نذوق لحظة نوم صافية،
مع منحدر الليل الساطع.
يا حزن الجدران الترابية التي تسرّب الماء والجرذان،
ويعشعش فيها اليأس الغريب
منتشراً في هواء الملاجئ،
المتشابهة بالكرب الغامض.
أجمل المعابر التي اجتزتها،
كانت في الريح والعزلة والمطر الشديد.
لقد قمت بها من باب التدريب على الهروب.
ملامحنا في الغبار اليومي،
تبدو منتصف النهار كتمثال رخامي،
مُستدقاً على الأرض،
مع ظلّه النقيض المرير
كردّ لمصيره الانفرادي.
إن السلام الذي نحظى به،
يكون أجمل،
عندما نتيقن أنه سيكون سريع الزوال.
حتى الضجر، يأتي ويذهب في ظلمات الذاكرة،
سرّ تحملنا،
أن لا شيء يمرّ بنا ويعود ثانية،
لا الفرح.. ولا الأحزان.
سيرة الجندي الفريد،
تنحصر في انكماش حريته،
تجده في القطيع،
ولكن ضبابه سريّ.
ويفعل ما بوسعه،
ليصون كيانه الخاص.
في سباق من الخيال، نحن جميعاً صيادون،
غزاة مناطق الحلم. نحن مسلحون
من الأوهام المرحة والطفولية، ولا نستسلم أبداً.
في موجة الجنون، ما زلنا نعرف كيف نكون أبطالاً
أطفال صريحون، حلوون وشجعان.
قاموا على غيوم خفيفة من الرائحة
لتقرأوا الجسد السائل في الهواء
في الجوهر الدافئ للفكرة.
سنعيش بهدوء أكبر،
لكنني لا أنسى أن الحياة وكل أشيائها العظيمة هي لحظات،
وأننا فجأة في لحظة يمكن أن نصبح عمياناً في منتصف الضوء،
ميتين في المنتصف
ووحيدين.
يا أيتها الحرب،
التي أساءت معاملة عزرائيل وأنهكته كثيراً،
لماذا تغرسين سكاكين الكراهية في قلوب الجنود الأبرياء.
ألم تشبعي من الدماء والرجس الذي اقرضني اللعنة؟
نفهم أن الشجرة مشروع جذع
ونسغ من العيون مبعثرة في الأحجار الكريمة
الغائرة بانتشاء في جذور السحر المضاعف.
تستطيع أن ترى العالم كله،
في نظرة الجندي الخائف.
العين جاهزة دائماً،
لكشف حواسنا
من الأسفل.
كثيراً ما نشعر
حينما يقترب الوضع من المعركة،
سنحاول الابتعاد عنها،
ولكن المطاف سينتهي إليها.
هذا «القانون الخاص» للحرب.
في الخنادق والملاجئ
لا أحد ينام بوسادة،
سيتحمّل الصخور وانبعاجات الخوذ
ولا يسمع قهقهات الجنود عليه.
وواقعياً، لم نكن نحتاج إلى وسادة كي ننام،
كان التعب مخدتنا،
ويمنحنا الفتور نفسه.
انظر من حولك إن لم تصدّقني،
هذا هو الجحيم الذي تحدّثوا عنه.
لا حوت هنا يبلعك ولا شاطئ يستقبلك.
كالذئاب أصبحنا،
لا نعني شيئاً إذا تُركنا منفردين.
نحن مجرد شظايا من الوقت والغبار.
نحن مرايا مكسورة
ومجذاف قصير لطريق طويل.
كتف لا يعوّل عليه،
حينما يكون على وشك الألم.
وجدنا أنفسنا وراء الجلد،
كانت الحياة مجرد قصة مقفرة
آنذاك وقبل والآن وإلى الأبد
لقد كانت لعبة مرايا لعدو وهمي.
يغير الوقت كل شيء،
ما عدا مفاجآت الحرب.
الجنود غير مخلوقين
من الحجر.
ويبكون عند الضرورة
ويصرخون عندما يحتاجون إلى ذلك.
تحدي المصير يتطلب دائماً
ضرباً من الجنون،
وهذا ما يحرصون عليه
حينما يدرّبون المقاتلين،
يمرّنوهم على الجحيم،
كي تقسوا عليهم النار مبكراً.
في الملاجئ،
الليل، يخترع الليل تلقائياً.
نحن
الكلمات التي لم تقال
الأكفّ المحرومة
الوعود الكاذبة
الأيام الممحوة من التقويم
الليالي الباردة
الضربات الجوفاء
الجروح المفتوحة
الضربات المفقودة
الأصوات المتلاشية
الأصداء التي تم نسيانها
نحن أيضاً
هذا الكمّ المريع من الفراغات.
لا أستطيع أن أقول ولن أقول
انه مات. هو فقط بعيداً.
بابتسامة مبتهجة وتلويح يد
لقد تجول في أرض مجهولة
إنهم لا يصرخون من الحزن
بل يبكون من الغضب
من عزة النفس المكسورة
والكرامة الجريحة
من الشفقة على الذات الجامحة.
حينما تسحب الألم من الآخرين
أو تتقاسمه معهم
إنما تضاعف ألمك.
حياتهم القصيرة،
جعلت بعضهم أكثر شراً
والبعض الآخر أكثر طيبة.
ففي الحرب هناك دائماً،
أبطال في الخير
وأبطال في الشر.
هكذا كافأتك الحياة بأغلى قيمها
حينما علّمتك البذل والرحمة والحنان.
كنت أسمع صوت ارتطام الأمواج بالشاطئ
كاستغاثات البحارة الغرقى.
والطيور القادمة من مداه العميق
أراها.. أرواحهم!
لا ينبغي لحياة الملايين من الفتيان،
أن تكون رحلة إلى القبر،
بل أن يشقّ كلّ منهم طريقه،
وسط الدخان والضباب،
حتى وإن استهلكتهم العواصف والنوائب،
سيعتبرونها في النهاية؛
تجربة رائعة.
والأمل الوحيد، أو اليأس
إنه يكمن في اختيار حصة أو أخرى
لتفتدى بالنار من النار.
ثم من وضع العذاب علينا؟
نصيبنا من الليل
دورنا في الصباح
خواءنا من النعيم
لملء،
خلونا من الازدراء
هنا نجم وهناك نجم،
البعض يضل!
هنا ضباب – وهناك ضباب
بعد – اليوم!
لقد توصلت إلى الاعتقاد
بأن حياتنا كانت عبارة عن سلسلة من الكمائن الساخرة.
لتتفتح الزهور،
من جراحنا.
وتنطلق الفراشات،
من هزائمنا.
ولتوُلد فينا الآهات،
من النُواح.



