فصل من رواية .. غرفة الامتيازات المكسورة

أوراغي سعدة

كاتبة جزائرية

لم أشعر يومًا أنّني أنتمي… لأي شيء.

كنتُ دائمًا الغريبة حتى داخل نفسي، أبحث عن مكانٍ يليق بقلبي، ولا أجد غير أبوابٍ تُصفَق في وجهي.

كنتُ أعرف أنّك سيّئ لي، ومع ذلك صدّقتك.

لم تكن مشكلتي في خيانتك… بل في أنني آمنتُ بك أكثر مما ينبغي.

ضحكاتهم حين سقطتُ كانت الحقيقة التي كسرتني، كأنهم وجدوا متعةً في رؤية روحي تُذبح ببطء.

أنا التي تنهار بصمت… وكأن البكاء جريمة لا يحقّ لي ارتكابها.

أحببتك بصدقٍ طفولي… وخذلتني بسهولة رجلٍ لم يتعلّم معنى الوفاء.

كانت الكلمات التي لم يقولونها، نظراتهم، تجاهلهم… أوجع من كل جملة رموني بها.

كنتُ قوّة يتفاخرون بإسقاطها.

أردتُ صدقًا، فسمعتُ أجمل الأكاذيب في صوتك.

وأردتُ حضنًا، فوجدتُ جدارًا من الجفاء.

الوحدة… صارت أكثر رحمة من قلوبهم، وأكثر دفئًا من وعودك.

لم ينتبه أحد لِتَعَبي… لأنّي كنت أبتسم كثيرًا.

كنتُ أراك وطنًا، وكنتُ بالنسبة لك ممرّ عبور، محطة مؤقتة، لا أكثر.

ولو يعلمون كيف يوجع التنمّر القلب… لابتلعوا كلماتهم قبل أن يتركوها كالسكاكين في صدري.

لم أعد أعرف:

هل أتظاهر بالقوّة؟ أم أتظاهر بأنني بخير؟

أنا الخطأ الذي صحّحته برحيلك… وأنا الوجع الذي تركته خلفك، وأنت لا تذكر حتى ملامحه.

كلما حاولت أن أشرح وجعي… ضاع صوتي أكثر، كأن الألم يلتهم اللغة قبل أن تخرج.

تمنّيتُ أن يلاحظ أحد أنني أسقط… لكنني سقطت وحدي.

لم تعد تؤلمني خيبتك… لأني سبقتك وكسرتُ نفسي بما يكفي قبل أن تكسرني أنت.

كنتُ أطلب دفئًا، فوجدتُ بردًا يطفئ آخر ما بقي من قلبي.

الأشياء التي ظننتُ أنّها تُشبهني… كسرتني أولًا.

والأماكن التي كنت أهرب إليها… صارت هي أيضًا تخونني.

حتى غرفتي التي لطالما اعتبرتها «منطقة أمان»… تحوّلت فجأة إلى صندوق أسود يعلّقني بين ماضٍ يُطاردني وحاضرٍ يخنقني.

كل زاوية فيها كانت تذكّرني بوجهٍ خان، بكلمةٍ اشتريتُ بها وهمًا، وبحلمٍ دفنته وأنا أبتسم.

كنتُ أدخلها وأشعر أنّ الجدران تراقبني، تسألني بصوتٍ لا يسمعه غيري:

«أين تلك الفتاة التي كانت تضحك؟»

ولا أجد جوابًا.

حتى مرآتي…

لم تعد تعكس وجهي.

كانت تريني ظلاً… جسدًا بلا روح، وعينين فقدتا بريقهما، وابتسامة لا أعرف لمن كانت تُصنع.

كنتُ أضع رأسي على وسادتي،

فأسمع ضجيج الأفكار يصفعني:

«أحقًا كنتِ تستحقين ذلك؟

ألهذا الحدّ كنتِ سهلة؟

لماذا آمنتِ بهم؟

لماذا لم تهربي قبل أن يقتلوك؟»

وكنتُ أغمض عيني…

ولا أهرب من شيء.

كنتُ أرى صوري القديمة،

ضحكتي، طفولتي، براءتي…

فأشعر أنني فقدت نفسي في الطريق،

ولم يعثر عليّ أحد.

ماذا لو أنّ الامتياز الوحيد الذي امتلكته…

هو أن أكون الضحية؟

ماذا لو أنني كنتُ أجمل حين لم أفهم شيئًا…

أما الآن فأنا قبيحة لأني فهمت كل شيء.

غرفتي صارت تشبه قلبي:

مزدحمة بأشياء لا تكتمل،

بذكريات لا تُحذف،

وبألمٍ لا يُرَمَّم.

وعندما كنت أكتب رسائلي الأخيرة له…

لم أكتب لأستعيده،

ولا لأعاتبه…

ولا لأقول له ما أبكاني.

كنت أكتب كي أتخلّص منه،

كي أطرده من صدري،

كي أُفرغ المكان من اسمه.

كتبت:

«لم أعد أحبك…

لكن ما زال وجعك يركض داخلي كأنه يبحث عن قبرٍ يستقر فيه».

وكتبت:

«لم أعد أشتاق إليك…

لكن صوتك ما زال يطرق أبواب ليلي بلا إذن».

وكتبت أيضًا:

«كنتُ أنتظر منك كلمة…

وانتظرتُ حتى جفّت الروح».

كنت أريد أن أقول له كل شيء…

وفي النهاية، قلتُ شيئًا واحدًا فقط:

«أنت خسرّتني…

ولن تجد يومًا فتاة مثلي،

لكنني… لن أعود».

وهكذا…

أغلقت رسائلي،

ووضعتها في صندوق صغير،

ودفنته داخل غرفتي التي لم تعد غرفتي.

دفنته لأنني دفنت معه آخر امتياز كنت أظنّ أنّه يميّزني:

قدرتي على المسامحة.

لم أعد أملك قلبًا يعود كما كان…

ولا روحًا تسامح،

ولا صدرا يتسع لأحد

وهكذا انتهت غرفة الامتيازات…

وانكسرت.

بعض اوراق الخريف على رسالات لم ترسل:

يا عاشقا طال عليك الورى بين الحب والشوق ما ترى نور السماء والبدر وتحسب ليس عليك بلهجر مفارق فوجع الحنين اذا حن يتقطع الاصوات ما غادرت والارواح ما نادت ولا تنهدت، ولكن اكتفت من حب هالك يقود الى الحزن والحزَن…

مقالات ذات صلة