الثقافة واللطف وحُسن الخلق

قبل عدة أيام، دار بيني وبين إحدى الصديقات حديث بعد أن لاحظت اختفاء نشاطها من وسائل التواصل الاجتماعي والصحف. سألتها عن السبب، فقالت لي:

«أنا أكتب بشكل سيئ… يجب أن أتوقف حتى أطور من نفسي».

استفزتني إجابتها كثيرًا. وبعد حوار طويل، أخبرتني أن سبب هذا الاعتقاد لم يكن سوى رأي شخص يعمل في المجال الثقافي، وكان بالنسبة لها من أقرب الأصدقاء وأكثرهم تأثيرًا. وحين قال لها: «توقفي عن الكتابة»، صدّقت كل ما قاله، فتوقفت فعلًا.

من الجميل أن يراجع الإنسان نفسه بين فترة وأخرى حتى يظهر أفضل نسخة منه، لكن أن يتوقف بسبب رأي شخص كان من المفترض أن يكون أكثر وعيًا بطريقة إيصال النقد، فذلك أمر صادم.

دفعني هذا الموقف للتفكير في نقطة مهمة؛ وهي أننا أحيانًا نعلّق أحلامنا ونؤجل خططنا بسبب آراء أشخاص آمنا بهم، واعتقدنا أنهم أيقونات للثقافة والوعي، وربما لا يملكون سوى المظهر واللباقة التي تأسر الآخرين في البداية، ثم تكشف الأيام أنهم يفتقرون إلى أبسط درجات اللطف.

دائمًا ما نعتقد أن الإنسان كلما كبر ازداد وعيًا وحكمة، وأن كثرة القراءة والاطلاع تهذّب الروح وتمنح صاحبها رهافة في الشعور ورقيًا في التعامل، لكن المؤسف أن بعضهم يستخدم معرفته وعمره ليحطم من هم في بدايات الطريق.

لا يمكن لأي إنسان أن يصل إلى القمة دون محاولة أو تعثر أو سعي مستمر. وقد ذكرني هذا الموقف بقصة شاعر شاب التقى بأحد الشعراء الذين كان منبهرًا بهم، وأخبره أن كتاباته كانت السبب في دخوله عالم الشعر. وعندما قرأ الشاعر قصيدته، لم يسخر منها ولم يطلب منه التوقف، بل قال له:

«أعد كتابة القصيدة، لديك أسلوب جميل، وأريدك أن تلقيها في مهرجان الشعر».

عاد الشاب إلى قصيدته، راجعها أكثر من مرة، واشتغل على كلماتها لأيام، ثم عاد إليه بنسخة أجمل بكثير من الأولى، فأشاد بها الشاعر وأثنى عليه.

هكذا يجب أن يتعامل المثقفون بعضهم مع بعض؛ فالقسوة وحدها لا تصنع كاتبًا، بينما كلمة واحدة مشجعة قد تصنع عمرًا كاملًا من الإبداع.

ذكرني هذا الموقف أيضًا بإحدى أشهر لوحات الفنان René Magritte، The Son of Man، حيث يظهر رجل أنيق ببدلة رسمية، لكن وجهه محجوب بتفاحة خضراء. تعكس اللوحة التناقض بين المظهر الخارجي والحقيقة الداخلية للإنسان؛ تمامًا كشخص يبدو مثقفًا ورقيقًا في الظاهر، بينما يخفي داخله الكثير من الأنانية والغرور.

للأسف، هناك من يتقن ارتداء ثوب الثقافة، لكنه يعجز عن ارتداء اللطف.

الثقافة التي لا تهذّب القلب والخلق… ليست سوى قناع أنيق.

مقالات ذات صلة