د. محمد دغيم: الذكاء الاصطناعي يتنبأ بنتائج عمليات قبل إجرائها

قبل سنوات قليلة، كان قرار اللجوء إلى جراحة العمود الفقري يستند بصورة رئيسية إلى ثلاثة عناصر أساسية: شكوى المريض، والفحص السريري الدقيق، ونتائج التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI).
أما اليوم، فقد فرض الذكاء الاصطناعي (AI) حضوره بقوة في مختلف التخصصات الطبية الدقيقة، وفي مقدمتها جراحة العمود الفقري، ليطرح تساؤلاً محورياً: هل يمكن أن يصبح أداة مساندة تساعد الأطباء في تحديد المرضى، الذين يحتاجون فعلاً إلى التدخل الجراحي، وتمييزهم عن الحالات التي يمكن علاجها بوسائل أخرى أقل تدخلاً؟
هذا التساؤل لم يعد مجرد فرضية علمية، بل تحول إلى محور لعشرات الدراسات المنشورة في أبرز الدوريات الطبية العالمية، ليصبح أحد أسرع مجالات البحث والتطوير نمواً في الطب الحديث.
وأوضح استشاري جراحة الدماغ والأعصاب، د. محمد دغيم، أن اختيار العلاج الأنسب أو اتخاذ قرار التدخل الجراحي لا يعتمد على نتائج الفحوصات التصويرية وحدها، بل يستند إلى تقييم طبي متكامل يأخذ في الاعتبار مجموعة من العوامل الأساسية، أبرزها:
● خداع الرنين المغناطيسي
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً بين المرضى الاعتقاد بأن صورة الرنين المغناطيسي هي العامل الحاسم الوحيد في تحديد الحاجة إلى الجراحة، بينما تمثل في الواقع جزءاً من منظومة تشخيصية متكاملة.
● الفجوة بين الصورة والأعراض
كثيراً ما يُراجع مرضى تظهر صورهم الشعاعية انزلاقات غضروفية كبيرة أو تضيقاً شديداً في القناة العصبية، رغم أنهم لا يعانون أعراضاً سريرية تستدعي التدخل الجراحي.
● أهمية النقص العصبي
على الجانب الآخر، قد يُظهر مريض تغيرات شعاعية محدودة نسبياً، لكنه يعاني آلاماً مزمنة وشديدة أو ضعفاً عصبياً يؤثر بصورة ملموسة في قدرته على ممارسة أنشطته اليومية.
● قرار متعدد العوامل
لذلك لا يُبنى القرار الجراحي على حجم التشوه الظاهر في الصور فقط، بل على منظومة متكاملة تشمل طبيعة الأعراض ومدتها، ونتائج الفحص السريري، والحالة الصحية العامة للمريض، ومدى استجابته للعلاجات التحفظية السابقة. وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي كأداة متقدمة، قادرة على تحليل هذه المعطيات المتشابكة وربط بعضها ببعض، بما يدعم اتخاذ القرار الطبي الأكثر دقة لكل حالة.
◄ الذكاء الاصطناعي يتعلّم من آلاف الحالات
ما يميز الذكاء الاصطناعي عن الأساليب الإحصائية التقليدية قدرته على التعلّم التراكمي المستمر من كميات هائلة من البيانات الطبية، ما يمنحه قدرة متقدمة على اكتشاف الأنماط والعلاقات المعقدة، التي قد يصعب ملاحظتها بالطرق التقليدية.
وتبرز أهمية هذه التقنية في جوانب رئيسية عدة، من بينها:
● تحليل الأنماط الخفية
بدلاً من اعتماد الطبيب على الخبرات المتراكمة من عدد محدود من الحالات، التي صادفها خلال مسيرته المهنية، تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل السجلات الطبية والصور الشعاعية لعشرات الآلاف من المرضى، الذين خضعوا لجراحات العمود الفقري في مراكز ومستشفيات حول العالم.
● التنبؤ بالنتائج العلاجية
من خلال هذا الكم الهائل من البيانات، تتمكن الأنظمة الذكية من التعرف إلى أنماط تشريحية ووظيفية دقيقة قد لا تكون واضحة بالعين المجردة، مما يسمح بتقديم تقديرات أكثر دقة لاحتمالات نجاح الجراحة، ومخاطر المضاعفات المحتملة، وفرص الحاجة إلى تدخلات جراحية إضافية مستقبلاً.
ويمثل ذلك تحولاً مهماً في أسلوب اتخاذ القرار الطبي، من الاعتماد بشكل رئيسي على الخبرة الفردية للطبيب إلى نموذج أكثر تقدماً يستند إلى تحليل البيانات واسعة النطاق والمعرفة المستخلصة من تجارب آلاف المرضى حول العالم، بما يعزز دقة التقييم ويرفع فرص اختيار العلاج الأنسب لكل حالة.
◄ التنبؤ بنتائج الجراحة قبل إجرائها
وأكد د. محمد أن من أبرز التطبيقات الواعدة للذكاء الاصطناعي في جراحة العمود الفقري، قدرته على التنبؤ بنتائج العمليات الجراحية ومستويات المخاطر المحتملة قبل إجرائها.
وأوضح أن أحدث الدراسات السريرية أظهرت أن نماذج التعلم الآلي أصبحت قادرة على تقدير درجة التحسن الوظيفي المتوقع للمريض، بعد عمليات دمج الفقرات، أو استئصال الغضروف بدقة متزايدة، وذلك من خلال تحليل مجموعة واسعة من البيانات السريرية والشعاعية الخاصة بكل مريض.
وأضاف: «لا يقتصر دور هذه النماذج على توقع فرص نجاح العملية، بل يمتد إلى حساب احتمالات حدوث المضاعفات المحتملة، مثل النزيف أو الالتهابات، وتقدير مدة التعافي المتوقعة بناءً على الخصائص الصحية لكل مريض».
وأشار إلى أن هذه القدرات تمنح الطبيب والمريض رؤية أكثر وضوحاً وواقعية للنتائج المتوقعة قبل اتخاذ قرار الجراحة، ما يسهم في تعزيز جودة القرار الطبي ورفع مستوى الشفافية خلال مناقشة الخيارات العلاجية.
وأكد أن الفائدة الأهم تتمثل في المساعدة على تجنب بعض العمليات الجراحية، التي قد لا تحقق فائدة علاجية ملموسة للمريض، عبر توفير تقديرات علمية أكثر دقة للعائد المتوقع من التدخل الجراحي مقارنة بالعلاجات الأخرى المتاحة.
◄ هل يُستبدل الذكاء الاصطناعي بالجراح البشري؟
يؤكد د. محمد أن الإجابة الواضحة على هذا السؤال هي: لا. فبالرغم من القدرات المتقدمة التي يتمتع بها الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والتنبؤ بالنتائج الطبية، فإنه لا يمكن أن يحل محل الجراح البشري أو يستبدل دوره في اتخاذ القرار العلاجي.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الاستماع إلى المريض وفهم معاناته بالبعد الإنساني الذي يملكه الطبيب، كما أنه غير قادر على تقييم العوامل النفسية والاجتماعية والعاطفية، التي تشكل جزءاً مهماً من عملية التشخيص واختيار العلاج المناسب.
وأضاف: «الآلة لا تتحمل المسؤولية القانونية أو الأخلاقية للقرار الطبي، ولا تملك القدرة على التقدير السريري المرن، الذي يحتاجه الجراح عند التعامل مع الحالات المعقدة، أو المفاجآت التي قد تطرأ أثناء العملية الجراحية».
وأشار إلى أن التوجه السائد حالياً في الأوساط والجمعيات الطبية العالمية لا يقوم على استبدال الذكاء الاصطناعي بالأطباء، بل على توظيفه كأداة دعم متقدمة ومساعد ذكي للجراح (Co-pilot)، يزوده بمعلومات وتحليلات إضافية تساعده في اتخاذ القرار الأكثر دقة وأماناً.
وشبّه هذا التحول بما حدث عند ظهور أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، التي لم تُلغ دور الأطباء، بل أصبحت إحدى أهم الأدوات التي عززت قدراتهم التشخيصية. وبالمثل، من المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تزويد جراحي العمود الفقري برؤية أعمق ومعطيات أكثر شمولاً، بما ينعكس إيجاباً على جودة الرعاية الطبية وسلامة المرضى.
◄ تحسين اختيار المرضى
ومن واقع الممارسة اليومية في عيادات جراحة العمود الفقري، تبدو القيمة الأهم التي يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعي للمنظومة الصحية بعيدة عن زيادة أعداد العمليات الجراحية أو تسريع اتخاذ القرار، بل تتمثل في تحسين دقة اختيار المرضى الأكثر استفادة من التدخل الجراحي.
ففي النهاية، لا يُقاس نجاح الجراح بقدرته التقنية على إجراء العملية فحسب، بل بقدرته على تحديد المريض، الذي يحتاج إلى الجراحة بالفعل، وتمييزه عن المريض، الذي يمكن أن يحقق تحسناً مماثلاً من خلال العلاجات التحفظية أو غير الجراحية.
وفي هذا السياق، يوفر الذكاء الاصطناعي أداة متقدمة لتحليل المعطيات السريرية والشعاعية والوظيفية بصورة أكثر شمولاً، ما يساعد الأطباء في اتخاذ قرارات علاجية تستند إلى قدر أكبر من الموضوعية والدقة، وتضع مصلحة المريض في المقام الأول.



