د. خالد الشطي: 5 نصائح لممارسة كبار السن «تمارين المقاومة».. بأمان

لعقود طويلة، عاشت المجتمعات تحت تأثير مفهوم خاطئ، يربط التقدم في العمر لدى كبار السن بالخمول والراحة التامة، إذ ترسّخ الاعتقاد بأن الشيخوخة تفرض الابتعاد عن أي نشاط بدني، ولا سيما تمارين المقاومة ورفع الأثقال، خشية تعرض العظام للكسور أو المفاصل للتلف. غير أن الطب الرياضي وطب الشيخوخة الحديث يعيدان اليوم تصحيح هذه النظرة، مؤكدين أن الوقت لا يفوت أبداً لبدء التدريب، وأن ممارسة كبار السن لتمارين القوة بأوزان ملائمة لقدراتهم لا تُعد رفاهية، بل تمثل وسيلة علاجية ودرعاً وقائياً أساسياً للحفاظ على استقلاليتهم الجسدية وتعزيز صحتهم وجودة حياتهم.

وفي هذا السياق، أكد د. خالد وليد الشطي، اختصاصي أمراض الباطنية وطب المسنين، أن تعزيز الوعي الطبي، والاعتماد على الاستشارة المتخصصة، يمكن أن يساهما في منح كبار السن سنوات أطول من الحفاظ على الصحة والنشاط والقدرة على ممارسة الحياة باستقلالية كاملة.

◄ الذاكرة العضلية

وقال د. الشطي، في حديثه لـ القبس، إن الذاكرة العضلية لدى كبار السن تمثّل كنزاً بيولوجياً كامناً ينتظر التحفيز، مشيراً إلى أن الانتقال من ثقافة الدعوة إلى «الراحة المطلقة» لدى المسنين، إلى ثقافة «الحركة المقاومة والواعية»، يعد من أهم الاستثمارات الصحية، التي يمكن تقديمها لهم للحفاظ على قوتهم ووظائفهم الجسدية.

◄ ضمور العضلات

ولفت د. الشطي إلى أن الجسم يبدأ بفقدان كتلته العضلية تدريجياً بمعدل يتراوح بين %1 و%2 سنوياً، قبل أن تتسارع هذه الوتيرة بصورة ملحوظة بعد بلوغ سن الستين. وتُعرف هذه الظاهرة الطبية باسم «الساركوبينيا» أو ضمور العضلات المرتبط بالتقدم في العمر.

وأوضح أن خطورة ذلك لا تقتصر على تراجع القوة العضلية أو التغيرات الشكلية فحسب، بل تمتد إلى التأثير في الألياف العضلية السريعة المسؤولة عن الحفاظ على التوازن والاستجابة السريعة عند المشي أو تفادي التعثر والسقوط.

وبيّن أنه وفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية، تُعد الإصابات الناتجة عن السقوط المرتبط بضعف التوازن من أبرز أسباب الوفيات الناجمة عن الإصابات غير المتعمدة بين كبار السن عالمياً، مما يجعل الحفاظ على كتلة عضلية قوية ووظائف حركية سليمة ضرورة صحية للحفاظ على الاستقلالية وجودة الحياة.

◄ تنشيط الخلايا الجذعية

وأشار د. الشطي إلى أنه في دراسة سريرية بارزة، نشرتها دورية Journal of Cachexia, Sarcopenia and Muscle، قام باحثون بتتبع مجموعات من كبار السن، الذين تجاوزوا السبعين عاماً، وأُخضعوا لبرنامج تدريبي منظم لتمارين المقاومة (باستخدام الأوزان الخفيفة وحبال المقاومة) لمدة 12 أسبوعاً. وجاءت النتائج مذهلة، حيث أظهرت التحاليل المخبرية والأشعة الطبية أن أجساد كبار السن حافظت على قدرتها على تخليق البروتين العضلي وتنشيط «الخلايا الجذعية العضلية القمرية» تماماً كفئة الشباب. ولم تؤدِّ التمارين إلى زيادة حجم العضلات وقوتها فحسب، بل حسّنت أيضاً من كثافة المعادن في العظام المحيطة بها، مما يثبت أن الذاكرة العضلية تظل مستيقظة ومستعدة للاستجابة للتمرين مهما تقدم العمر الزمني بالإنسان.

◄ تمارين المقاومة

ذكر د. الشطي أن التمارين الهوائية، كالمشي السريع، ممتازة للقلب، لكنها لا تكفي وحدها لحماية الهيكل العظمي والعضلات لكبار السن، حيث إن إضافة تمارين المقاومة تعتبر ضرورة وليست من قبيل الرفاهية. فاللياقة البدنية لكبار السن لا تعنى بالمظهر الخارجي فقط، بل هي استراتيجية طبية تضمن استقلاليتهم الجسدية. فقوة العضلات هي المفتاح ليظل المسن قادراً على النهوض، صعود السلالم، وتأدية احتياجاته بمفرده، مما يحفظ له اعتماده على نفسه في منزله.

◄ حماية الدماغ

أوضح د. الشطي أن فوائد تمارين المقاومة تتعدى الجانب الحركي والجسدي، لتصل إلى أعماق الدماغ، حيث تشير الأبحاث التكميلية الصادرة عن مدرسة هارفارد الطبية إلى أن انقباض العضلات أثناء تمارين المقاومة يحفز إفراز بروتينات حيوية تُعرف بـMyokines، وأبرزها عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ BDNF.

وهذه المواد الكيميائية تعمل كعلاج بيولوجي طبيعي يحمي الخلايا العصبية، ويعزّز من كفاءة الذاكرة والوظائف الإدراكية، مما يساهم في إبطاء التدهور المعرفي والخرف المبكر.

بالإضافة إلى ذلك، فإن خروج كبير السن للتمرين والشعور بالإنجاز والقوة يرفعان من مستويات هرمونات السعادة (السيروتونين والدوبامين)، محارباً الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، التي يعاني منها الكثير من المتقاعدين.

نصائح لبداية آمنة

بناءً على البروتوكولات المعتمدة عالمياً من الكلية الأمريكية للطب الرياضي ACSM، قدّم د. الشطي توجيهات أساسية لضمان بداية آمنة وفعّالة:

1 – استشارة الطبيب أولاً

قبل أن يبدأ كبير السن أي برنامج تدريبي، يجب استشارة طبيب الشيخوخة أو باطنية القلب المتخصص لعلاج ومراقبة الضغط أو أي مشاكل مفصلية مزمنة، وتحديد المجهود المسموح به بالشكل الآمن والفعال.

2 – التدريب تحت إشراف متخصص

احذروا تماماً من تتبع مقاطع الفيديو العشوائية أو التمارين العنيفة المروجة عبر حسابات تجارية مجهولة المصدر والتخزين على وسائل التواصل الاجتماعي، فبنية كبير السن تتطلب مدرباً متخصصاً في تأهيل كبار السن لضبط زوايا الحركة ومنع الإصابات وتجنب حدوث أي استهتار أو ممارسات خاطئة.

3 – البدء تدريجياً

البدء بأوزان خفيفة جداً (مثل كيلوغرام واحد)، أو استخدام حبال المقاومة المطاطية، أو حتى استخدام وزن الجسم نفسه (مثل تمرين القيام والجلوس على الكرسي المتكرر). فالسر لا يكمن في ثقل الوزن، بل في الاستمرارية وتحفيز الألياف العضلية بانتظام.

4 – الانتباه لإشارات الجسم

يجب ارشاد كبير السن إلى أن يشعر بالفرق بين تعب العضلات الطبيعي الناتج عن الجهد، وبين الألم الحاد المفاجئ في المفاصل أو الشعور بالدوار وضيق التنفس. وفي حال حدوث أي عرض غير معتاد، يجب التوقف فوراً ومراجعة الطبيب دون أي تأخير لتقييم درجة الأمان.

5 – الاهتمام بالتغذية

لن تستطيع العضلات إعادة بناء نفسها بالتمرين وحده، لذا يجب تأمين وجبات يومية تحتوي على مدخول كافٍ من البروتين العالي الجودة (كالبيض، الدواجن، البقوليات)، تحت إشراف اختصاصي التغذية العلاجية، لضمان استجابة الجسم الحيوية للتمارين.

مقالات ذات صلة