الوقاية من أمراض القلب.. تبدأ منذ الطفولة

رغم أن أمراض القلب والأوعية الدموية تُعد من أكثر الأمراض ارتباطاً بالتقدم بالعمر، فإن الأدلة العلمية الحديثة تشير إلى أن جذور هذه الأمراض قد تبدأ في مراحل مبكرة جداً من الحياة، ما دفع الكثير من الخبراء إلى المطالبة بإعادة النظر في استراتيجيات الوقاية والتركيز على الطفولة والمراهقة بدلاً من انتظار ظهور عوامل الخطر في سن متقدمة. وتُعد أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الرئيسي للوفاة عالمياً، حيث تتسبب سنوياً في ملايين الوفيات. وعلى الرغم من التقدم الكبير في وسائل التشخيص والعلاج، لا تزال معدلات الإصابة مرتفعة في العديد من الدول بسبب انتشار عوامل الخطر المرتبطة بنمط الحياة، مثل السمنة وقلة النشاط البدني وسوء التغذية والتدخين.
وفي هذا السياق، أكد خبراء الصحة العامة في تقرير علمي حديث نشرته مجلة MJA الطبيية أن الوقاية من أمراض القلب يجب أن تبدأ في سن مبكرة، مشيرين إلى أن استهداف عوامل الخطر خلال مرحلة الطفولة قد يسهم في تقليل نسبة كبيرة من الأمراض القلبية التي تظهر لاحقاً في مرحلة البلوغ.
عوامل الخطر تبدأ مبكراً
خلال العقود الماضية، كان الاعتقاد السائد أن ارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكوليسترول وأمراض الشرايين التاجية، مشكلات تخص البالغين فقط. إلا أن الدراسات الحديثة أظهرت أن بعض التغيرات التي تصيب الأوعية الدموية قد تبدأ منذ سنوات الطفولة، خاصة لدى الأطفال الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة.
كما أن هناك بعض الممارسات نتيجة نمط الحياة الحديث ساهمت في تفاقم المشكلة، مثل:
• انتشار الوجبات السريعة والمشروبات المحلاة.
• قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات.
كل هذا أسهم في تراجع النشاط البدني بين الأطفال والمراهقين، وأدى إلى زيادة معدلات السمنة وظهور مؤشرات مبكرة لأمراض القلب، ويحذر الخبراء من أن الطفل الذي يعاني من السمنة غالباً ما يكون أكثر عرضة للاستمرار في المعاناة منها خلال مرحلة البلوغ، وهو ما يزيد من خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم والسكري من النوع الثاني واضطرابات الدهون في الدم.
الغذاء الصحي.. والحركة
يلعب النظام الغذائي دوراً محورياً في حماية القلب منذ الصغر. ويوصي المتخصصون بزيادة استهلاك الخضار والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات، مع الحد من الأطعمة فائقة المعالجة الغنية بالملح والدهون المشبعة والسكريات المضافة. كما أن غرس العادات الغذائية الصحية في مرحلة مبكرة يساعد الأطفال على الاستمرار في اتباعها طوال حياتهم، ما ينعكس إيجاباً على صحة القلب والأوعية الدموية مستقبلاً.
ويشدد الخبراء على أن النشاط البدني المنتظم يعد أحد أهم وسائل الوقاية من أمراض القلب. فالحركة اليومية ضرورة وليست رفاهية، لذا فإن ممارسة الرياضة تساعد على تحسين صحة القلب والرئتين، والحفاظ على وزن صحي، وتنظيم مستويات السكر والدهون في الدم. وتوصي الجهات الصحية العالمية بأن يمارس الأطفال والمراهقون ما لا يقل عن 60 دقيقة يومياً من النشاط البدني المعتدل إلى الشديد، سواء من خلال الرياضة المنظمة أو اللعب والحركة اليومية.
التدخين الإلكتروني
إلى جانب التدخين التقليدي، يثير انتشار السجائر الإلكترونية بين المراهقين مخاوف متزايدة لدى المتخصصين. فبالرغم من الاعتقاد الخاطئ بأنها أقل ضرراً، تشير الأدلة المتزايدة إلى أن استخدامها يؤثر سلباً في صحة القلب والأوعية الدموية ويزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة على المدى الطويل، ولاسيما بين فئات المراهقين والشباب، حيث انتشرت بشكل يدعو الى دق ناقوس الخطر.
مسؤولية مشتركة
يرى الخبراء أن الوقاية من أمراض القلب لا تقع على عاتق الفرد وحده، بل تتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية وصناع القرار. فتهيئة بيئات تشجع على النشاط البدني وتوفر خيارات غذائية صحية وتحد من تسويق المنتجات غير الصحية للأطفال، تمثل خطوات أساسية نحو بناء أجيال أكثر صحة. كما أن إجراء الفحوصات الدورية للأطفال المعرضين لعوامل الخطر، مثل السمنة أو التاريخ العائلي لأمراض القلب، قد يساعد في الكشف المبكر عن المشكلات الصحية والتعامل معها قبل تفاقمها.
نهج وقائي
يؤكد المتخصصون أن رعاية صحة الأطفال والمراهقين اليوم يعني تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب في المستقبل. فبدلاً من التركيز فقط على علاج المرض بعد ظهوره، أصبح من الضروري تبني نهج وقائي يبدأ منذ السنوات الأولى من العمر.
ومع تزايد الأدلة العلمية التي تربط بين صحة الطفولة وصحة القلب في مراحل لاحقة من الحياة، تتعزز القناعة بأن الوقاية المبكرة ليست مجرد خيار، بل ضرورة صحية ملحة للحد من انتشار أحد أخطر الأمراض على صحة الإنسان.



