رهانات تحوُّل النص المسرحي إلى الفن السابع

ان تتحول الرواية الى سينما هذا الامر اصبح من المألوفات في الاشتغالات الفنية، ولكن ان يتحول نص مسرحي مكتوب الى الفن السابع فهذا من النوادر والحالات القليلة سواء في العالم المتقدم او في بلداننا النامية (واقصد: متقدم ونامٍ من الناحية الاخراجية والتقنية) لا الاجتماعية والاقتصادية، لا يخفى على المتلقي المتابع ان هناك مئات الروايات ان لم تكن الآلاف تحولت الى السينما وبعضها نجح بامتياز وبعضها فشل ولأسباب عدة، ولكن في المجال المسرحي سنمر على جملة من النصوص المسرحية التي تحولت الى السينما.

أعمال شكسبير

ولعل ابرزها نصوص الكاتب الإنكليزي الشهير وليام شكسبير ويقال ان تلك المسرحيات تحولت لأكثر من 400 نسخة منذ بدايات السينما وحتى عصرنا الراهن ولعل ابرزها هاملت، روميو وجوليت، مكبث، تاجر البندقية، الملك لير، وتتصدر مسرحية هاملت الريادة من حيث عدد النسخ بحوالي 30 نسخة ثم روميو وجوليت فمكبث وبعدها ترويض النمرة والليلة الثانية عشرة، اذ ان أعمال شكسبير التي قدمت للسينما كانت تحاكي تقنيات ورؤى العصر آنذاك مثل حلم ليلة منتصف صيف التي أخرجها في السينما بيتر هول عام 1968، وترويض النمرة أخرجه فرانكو زيفيرلي عام 1967، والليلة الثانية عشرة 1996 إخراج تريفور نان.

تطوّر الإخراج

وبالتأكيد فان عملية الجودة بالاخراج تزداد كلما تقدمت وتطورت التقنيات المستخدمة في الإخراج والتصوير والماكياج وغيرها، ناهيك عن تطور تقنيات الأداء ذاته في تقديم ومحاكاة الشخوص المسرحية التي تتحرك من فضاء الورق الى فضاء الصورة التقنية المعاصرة، وتذكر المصادر ان اول فيلم سينمائي مقتبس من مسرحيات شكسبير يعود لعام 1899 عن مسرحية الملك جون، وفي امريكا اكثر البلدان التي تحولت فيها النصوص المسرحية الى السينما نشير الى النصوص المسرحية للكاتب تنسي وليامز ومنها «عربة اسمها الرغبة» ومسرحية رغبة تحت شجرة الدردار ليوجين اونيل، ومسرحية تنسي وليامز «فجأة في الصيف الماضي»، اذ قدم مخرج المسرحية الأخيرة رؤية تطابقية بالكامل للمكتوب بالنص المسرحي بحيث قارب من النص بصورة كبيرة، ولعبة الحيوانات الزجاجية لتنسي وليامز اذ حُوِّلت هذه المسرحية إلى فيلم عام 1950 وقدمت من المخرج هارفي رابر، وكتاب المسرح الأمريكي راجت أعمالهم وتحولت الى السينما ذلك لأنها كانت تحاكي قضايا إنسانية مر بها المجتمع الأمريكي والاوروبي بصورة عامة وكذلك تشكل علامة فارقة على قراءة الازمات التي ألمت بالمجتمع آنذاك لذا حينما تحولت الى السينما وجدت لها جمهورا كبيرا يتعاطف مع الموضوعات بغض النظر عن مستوى جودة التقنيات التي قدمت بها.

أعمال أخرى

وفي بريطانيا تحولت مسرحية «بجماليون» المقتبسة من الاسطورة هي الأخرى وهذا النص المسرحي من تأليف الأيرلندي جورج برنارد شو قدمت كفيلم سينمائي بريطاني شهير عام 1938، بل حاز السيناريو جائزة الاوسكار آنذاك، وفي جنوب افريقيا صدر فيلم «الطريق الى مكة» وهو مبني على مسرحية للكاتب المسرحي اثول فيجارد بنفس الاسم للنص المسرحي، وفي اسبانيا فان مسرحية «عرس الدم» للكاتب لوركا تحولت لاكثر من فيلم سينمائي وبأسماء مختلفة وعرضت الأفلام داخل وخارج اسبانيا، وكذلك الامر بالنسبة لمسرحية «بيت برناردا ألبا» للوركا تحولت لاكثر من فيلم سينمائي حتى على مستوى السينما الهندية من إخراج غوفيند نيهلاني، وهناك مسرحية «الموت والعذراء» من تاليف آرييل دورفمان والتي قدمها للسينما 1994 المخرج رومان بولانسكي وهي تحاكي موضوعا حساسا يتعلق بأحداث التعذيب في المعتقلات في تشيلي.

السينما العربية

وفي المنطقة العربية تم اقتباس واستلهام العديد من النصوص المسرحية العالمية وبخاصة «عربة اسمها الرغبة» التي قدمت في السينما المصرية بافلام متنوعة ومنها انحراف والفريسة والرغبة. وكذلك اقتبست السينما العربية مسرحية روميو وجوليت بافلام عدة ومنها شهداء الغرام 1944 والبدوية الحسناء 1947 والعلمين 1965 وحبك نار 2004 والغرفة 707، وظهر فيلم معالي الوزير 2002 لوحيد حامد وسمير سيف مقتبساً من مسرحية شكسبير (مكبث)، وهناك بعض الاعمال المسرحية للكاتب المصري توفيق الحكيم تحولت هي الاخرى الى افلام سينمائية مثلها كبار الفن المصري ومنها الورطة والايدي الناعمة.

المعادل الصوري

ان تحويل المسرحية الى الفن السينما مغامرة حقيقية لانها قائمة على تحريك نص كتب الى خشبة المسرح وبالتالي سيتحول الى تقنيات منظورة على وفق متطلبات ومستلزمات الفن السابع، وكذلك الصراع الداخلي الموجود في نصوص المسرحيات والحوارات الداخلية والمونولوجات التي تحتاج الى معادل صوري موضوعي في فضاء السينما، ولكن هناك العديد من المخرجين حاولوا إعادة صياغة النص المسرحية بطريقة الحفاظ على الثيم الرئيسة والفكرة المركزية ولكن يقدمون صورة تتسم بالابداع والجمال والمقاربة التي تحافظ على موضوع المسرحية وبنفس الوقت يقدمون صورة ذكية تستهوي الجمهور وتعبر عن المسرحية بطريقة مميزة ومؤثرة. وهنا يتم الجانب الوظيفي لهذا التحول وممكن ان يقال عنه انه تحول درامي ناجح على المستوى الادبي والسينمائي.

بقي ان نقول ان هناك العديد من المسرحيات القابعة على رفوف المكتبات العربية، تحتاج ان تتحول الى صورة عيانية للجمهور لتقدم رؤاها ورؤى عصرها وكتابها بعد ان شحت السيناريوهات في الآونة الأخيرة وصار التقليد والتكرار والتدوير هي السمة البارزة في المشهد السينمائي.

مقالات ذات صلة