عودة اليوتوبيا.. ضرورة المدينة الفاضلة
إن المثالية الكاملة التي ننشدها أمرٌ مستحيل، ما في ذلك من شك، ولكننا مع ذلك يجب أن نسعى إليها طوال العمر، وبكل السُبُل المتاحة.
ورغم اليقين الثابت بأن الإنسان لا يمكن أن يكون ملاكاً، إلا أن ضريبة الشر المتمكن والانحراف عن السبيل كانت ولا تزال فادحة، وكلنا تضررنا منها فالأخلاق لا تكون فقط من أجل السمو الروحي والطهارة المعنوية، ولكنها ضرورة للحياة المادية، وأمر لا بد منه للنجاح الدنيوي، فالأخلاق إذن ليست ترفاً.
وكلمة يوتوبيا تعني في الأصل الجزيرة الفاضلة، وهي عنوان لرواية شهيرة كتبها الفيلسوف الإنكليزي توماس مور، لتكون أكثر أعماله ذيوعاً وشهرةً، وبداية لسلسلة أعماله الجامعة بين الأدب والفكر، التي أراد منها أن تقدم صورة متكاملة لعالم مثالي، عالم تختفي منه المفاسد التي يَئِن منها البشر مع أنهم الذين جلبوها لأنفسهم باتباع الأهواء والنفور من الحكمة والسداد، عالم تتحقق فيه أحلام الأنسانية بالصفاء والسلام، والكفاية في الإنتاج مع العدالة في التوزيع.
ولقد وضع توماس مور يوتوبياه في قالب روائي جذاب، حتى يقبل القراء على حلمه السعيد بالفردوس الأرضي، والجنة التي راودت خيال الإنسان منذ ما قبل التاريخ، وتناولها الفلاسفة والمفكرون، وقدموا لها صوراً مختلفة أخذت الطابع الديني أحياناً والفلسفي أحياناً أخرى، وفي الحقيقة فإن الفرق بين الدين والفلسفة ليس جوهرياً فكلاهما يهدف إلى إصلاح الإنسان وسعادته، واختلافهما في المنهج وليس في الغاية، ففي حين تعتمد الفلسفة على العقل، فإن الدين يقوم على الوحي، ولما كان العقل والوحي معاً كلاهما من الله جل شأنه، فإن الدين والفلسفة لا يختلفان ويمكن لهما أن يتعايشا معاً، وكثيراً ما وجدنا رجال دين فلاسفة، وفلاسفة متدينين.
واليوتوبيا أو قصة المدينة الخيالية الفاضلة جاءتنا في أكثر من قالب وبأكثر من صياغة، فقد كتبها البعض بطريقة المحاورة، والبعض الآخر وضعها في قالب السرد.
ومن أجمل اليوتوبيات وأشهرها محاورة «الجمهورية لأفلاطون» وفيها وضع آراءه السياسية التي لا تزال محل اهتمام إلى يومنا هذا، ونجد في الجمهورية لأفلاطون أنه يريد نموذج «الملك الفيلسوف» وهو أمرٌ صعب، فالفيلسوف غالباً لا يحكم، إلا أن التاريخ يثبت لنا وجود ملوك فلاسفة، ومنهم صديق أفلاطون الذي حكم مدينة «تارنتوم» بجنوب إيطاليا واسمه أرخيتاس، وقد وجدت في كتاب «نثر الدر» للوزير الكاتب أبي سعد منصور بن الحسين الآبي المتوفى سنة ٤٢١هـ حكاية عن فيلسوف تولى الحكم بالفعل، فلعله أرخيتاس المذكور في سيرة أفلاطون، وقد سار في الحكم بالحكمة وسعدت رعيته به وأحبته لأن الحكمة تاج الملوك، ومن الملوك الفلاسفة أيضاً الإمبراطور الروماني الزاهد مرقس أوريليوس، وآراؤه في كتاب التأملات آراء في غاية الرشد والجمال وتقترب كثيراً من تعاليم الصوفية عند المسلمين. ومن أمثلة اليوتوبيات في تراثنا العربي كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة» للفيلسوف أبي نصر الفارابي.
وتتميز يوتوبيا توماس مور بالعرض القوي لما يجب أن يكون عليه المجتمع المثالي مع تقديم صورة أدبية لجزيرة مثالية قال إنه رآها في بعض رحلاته وتركت في نفسه أثراً قوياً، ونحن نعرف بالطبع أنه لم يرها ولكنها حيلة أدبية تقوم على التجسيد والتشويق والإيحاء بأن العالم الذي يصفه الكاتب موجودٌ بالفعل، وذلك من أجل تقديم مضمون فكري يستسيغه القارئ ولا يصاب منه بالملل.
والقضايا التي تعالجها يوتوبيا مور هي قضايا إنسانية عامة لا تقف عند حدود زمان أو مكان معين، ولهذا بقيت اليوتوبيا حتى الآن وما زالت محل اهتمام رغم مرور خمسة قرون على كتابتها.
إن يوتوبيا مور تعد وثيقة من وثائق الحركة الإنسانية، وهي مقدمة لعصر النهضة، ورغم عدم تحقق اليوتوبيا إلا أن هذا الكتاب الخالد ساهم في إرساء معالم الحضارة الحديثة، ولا شك أننا في حاجة إلى المثالية رغم استحالة الوصول إلى الكمال، فالأخلاق ضرورة للحياة وبزوالها تزول الأمم عن يقين…



